أحمد بن عميرة المخزومي
136
تاريخ ميورقه
خبر الوالي بعد انقضاء حربه إلى أن صار إلى جزاء ربّه هذا الرجل كان بالجزيرة قد استبدّ بإمارتها ، واحتوى على فلاحتها وتجارتها ، وعني بجمع المال الجمّ ، ولم يخرجه في وجه من وجوه البرّ والإثم ، وفارق شهواته غير هذه الشهوة « 1 » ، وظن أنه جمع من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة « 2 » . والنصارى أهل جزاف يقبلون محالا ، ويقولون إن المسلمين أكثر أهل الأرض مالا ، فلما حصل عندهم لم يشكّوا أن في ورقه وعينه وفاء بوسق مراكبهم ، وأن المشاهد منهما والغائب يصل إلى شاهدهم وغائبهم « 3 » . فقالوا له أين الكنوز ، وجوّزوا من كثرتها ما يحكم العقل بأنه لا يجوز ، ولم يجدوا له من ذلك العدد الدّثر « 4 » ، إلّا مقدار الثمن فيما باع مدّة الحصر ، فأسلموه إلى العذاب المهين ، وظنّوه / 48 / بالعين عين الضّنين ، وجمعوا له عداوة المنع إلى عداوة الدّين . وعاش خمسة وأربعين يوما في
--> ( 1 ) يريد صفة البخل الذميمة التي اشتهر بها والي ميورقة أبو يحيى التنملي وأشار إليها المؤلف في مواضع أخرى من المخطوط . ( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى عن قارون : " إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ " . سورة القصص ، الآية 76 . ( 3 ) طباق الإيجاب بين " شاهدهم وغائبهم " . ( 4 ) الدّثر : المال الكثير ، ولا يثنى ولا يجمع ، فيقال : مال دثر ومالان دثر وأموال دثر . وقيل هو الكثير من كل شيء قال امرؤ القيس : لعمري لقوم قد ترى في ديارهم * مرابط للأمهار والعسكر الدّثر يعني الإبل الكثيرة . وعسكر دثر أي كثير . وفي الحديث : وابعث راعيها في الدّثر أي الخصب والنبات الكثير . لسان العرب ، ج 4 ، ص 277 .